السيد كمال الحيدري

315

شرح بداية الحكمة

الطائفة الأولى : اعترفوا بوجود الإنسان وإدراكاته . الطائفة الثانية : حيث إنّ الاعتراف السابق يستلزم إثبات حقائق خارجية كثيرة ، لم يتعدوا في الاعتراف عن : ) أنا موجود وإدراكاتي موجودة ( ، وأنكروا أن يكون الإنسان وإدراكاته موجودين . وهناك دليل ذكره الشيخ المصباح « 1 » حيث قال : أحياناً يحصل للإنسان يقين بوجود شيء من طريق الحس ، ولكنه يلتفت بعد ذلك إلى أنه قد أخطأ . فيعلم من هذا أن الإدراك الحسي لا يتمتع بضمان لصحته وإلا لما وقع فيه خطأ . ثم وبتبع ذلك يظهر احتمال آخر وهو : كيف يمكن إثبات أن سائر إدراكات الإنسان الحسّية ليست خطأ ، ولعله يأتي يوم ندرك فيه خطأها أيضاً ؟ فهذا الذي يحسّ به الإنسان الآن أنه موجود لعله يأتي يوم ويظهر أنه غير موجود . هذا فيما يرتبط بالإدراكات الحسية وكذلك فيما يرتبط بالاستدلالات العقلية . وأحياناً يحصل للإنسان اعتقاد يقيني بأحد الأمور عن طريق الدليل العقلي ولكن بعد فترة يدرك أن ذلك الدليل لم يكن صحيحاً فيتبدّل يقينه إلى شك . فيُعرف من هذا أن الإدراك العقلي أيضاً لا يتمتّع بذلك الضمان للصحة . وهكذا يمتّد احتمال الخطأ إلى سائر مدركات العقل فحينئذ لا يمكن الاعتماد على معطيات الحس ولا على استدلالات العقل . ويطرح الغزالي مثالًا عن النوم هنا ، فالمنامات التي يراها النائم ويعتقد أنها واقعية ، يكتشف بعد الاستيقاظ أنها لا واقعية لها . فعندما يتبدّل النائم من حالة النوم إلى حالة اليقظة يجد أن ما كان يراه في حالة النوم لم يكن له حقيقة مع أنه في حالة النوم لم يكن يخطر بباله أن ما يراه هو وهم .

--> ( 1 ) المنهج الجديد ، ص 164 .